محمد جمال الدين القاسمي
150
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لإجماع القائلين بأنها بدعة . . ؟ . قال أبو محمد : وحتى لو لم يبلغنا الخلاف لكان القاطع على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده ، ولا بلغه عن جميعهم - كاذبا على جميعهم . هذا ما أفاده الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) . ثم ذكر حجج المانعين من وقوعه ، وحجج من أوقعه ، والمناقشة فيها ، فراجعه إن شئت . وذكر في خلال البحث : أنه لا دليل في قوله : مره فليراجعها ، على وقوع الطلاق . لأن المراجعة قد وقعت في كلام اللّه ورسوله على ثلاثة معان : منها ابتداء النكاح كقوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أنّ المطلق - هاهنا - هو الزوج الثاني . وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول . وذلك نكاح مبتدأ . ومنها الردّ الحسيّ إلى الحالة التي كان عليها أولا كقوله « 1 » لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلاما خصه به دون ولده : ردّه . فهذا ردّ ما لم تصح فيه الهبة الجائرة التي سمّاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جورا . وأخبر أنها لا تصح ، وأنها خلاف العدل . ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك وردّ البيع ؛ وليس هذا الردّ مستلزما لصحة البيع ، فإنه بيع باطل ، بل هو ردّ شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا . وهكذا الأمر ، بمراجعة ابن عمر امرأته ، ارتجاع وردّ إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق ، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة ، وثمة وجوه أخرى ، واللّه أعلم . فصل وأما الخلع : فالتحقيق أنه فسخ لا طلاق . وأن العدّة فيه حيضة . روى أبو داود « 2 » في ( سننه ) عن ابن عباس ؛ أنّ امرأة ثابت بن قيس بن شماس اختلعت من زوجها ، فأمرها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أن تعتدّ حيضة . ففي ذلك دليل على حكمين : أحدهما
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الهبة ، 12 - باب الهبة للولد ، حديث 1263 ونصه : عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إني نحلت ابني هذا غلاما . فقال : « أكلّ ولدك نحلت مثله ؟ » قال : لا . قال « فارجعه » . وأخرجه مسلم في : الهبات ، حديث 9 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الطلاق ، 18 - باب في الخلع ، حديث 2229 .